جيرار جهامي ، سميح دغيم
12
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
ندخل في مسافة لحظة تأتي . المفكّر ، الكاتب لا يفكّر إذا ولا يكتب إلّا إذا كتب وفكّر بشكل مغاير لما يعرفه ، بحيث تكون كتابته وفكره نقطة لقاء بين نفي المعلوم وإيجاب المجهول . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 3 ، 312 ، 12 ) . - إن أصل الإبداع هو بالضبط هذا الاختلاف والتناقض العميق بين الثقافة والحضارة ، بين الذاتية والعالمية . فهذا التناقض ، هو الذي يخلق التوتر المبدع ويدفع إلى عدم الأخذ بالحلول الجاهزة ، وعدم القبول بالأمر الواقع كنهاية للتاريخ . وهو مصدر تطوّر التاريخ والحضارة معا . ( برهان غليون ، اغتيال العقل ، 339 ، 11 ) . * تعليق * في علم الكلام - وردت اللفظة على لسان الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة وفي شرح هذا الكتاب لابن أبي الحديد ، بمعنى أنه تعالى أوجد العالم لا على مثال سابق ، وبتقدير آخر أوجد العالم من لا شيء أي من العدم المطلق . حتى أن ابن أبي الحديد نفى أيضا أن يكون اللّه قد امتثل مثالا هو صنعه قبل تكوينه العالم . هكذا ألصق فعل الإبداع في الفكر العربي والعلوم الإسلاميّة قديما باللّه وحده بمعنى الخلق من العدم ( Cre ? ation ex nihilo ) ، نظرا إلى تفرّده تعالى بهذا الخلق دونما حاجة إلى وسيط مادي أو دافع نفسي معنوي . وهذا ما حدا ببعض الكلاميين والأصوليين إلى إنكاره أو إسناده إلى الإنسان من جهة ، وإلى انتقاد بعض الفلاسفة الذين أيّدوا رأي أرسطو القائل بأن المحرّك الأول - أي اللّه - يحتاج إلى مادة أولى تكوّن لديه اللبنة الجوهرية في فعل الخلق هذا . لذا ميّز هؤلاء العلماء بين الخلق المبدع فعلا للّه وحده ، والكشف أو الإيجاد صنيعا للإنسان الذي هو من خلقه تعالى . في الفكر الحديث والمعاصر - اختلفت النظرة حديثا إلى فعل الإبداع ، إذ بات الإنسان ، وفي مجالات ميادين أبحاثه كافّة ، جديرا بالإبداع الخلّاق الأصيل . وهو وصف ينطبق على كبار الفلاسفة والعلماء والفنّانين المبدعين ، انطلاقا من اكتشافاتهم ووضعهم حلولا لمشاكل عصرهم ومجتمعاتهم ؛ والكل نابع من ذكائهم المتفوّق وعبقريتهم الذاتية ، لا طلالتهم على المجهول ما وراء المعلوم بواسطة خيالهم الخلّاق ( Imagination cre ? atrice ) . هكذا أضحت فكرة الخلق من العدم مرفوضة لدى الفلاسفة الماديين وبعض الوجوديين ، كونها لا تتناسب مع منطق الإيجاد الواقعي والتكوين العلمي . ( راجع : ابتداع ، ابتكار ، خلق ، خيال ) . * في الفكر النقدي - اتّسعت الحقول المعرفية لدى النقّاد وكذلك أيضا مستويات المقاربة ، مثل المستوى الإيديولوجي ، المستوى العلمي ، والمستوى الاجتماعي الاقتصادي إلخ . . . فالإبداع مثلا على المستوى الإيديولوجي الديني عنى ما قلناه عنه في علم الكلام